أنت هنا: Home

رجل كل العصور

نشر في مـقـا لا ت

كتب صائب مطرجي في صحيفة "المستقبل":

رغم مرور عشر سنوات على جريمة العصر الآثمة التي أدت إلى استشهاد الرئيس رفيق الحريري، والناس يدركون كل يوم أكثر فأكثر حقيقة الإدراك حجم فداحة الخسارة والكارثة الكبرى التي أصيب بها ليس فقط اللبنانيون بل العرب والمسلمون جميعاً، وربما العالم كله باغتيال الرئيس رفيق الحريري، وذلك لأن إختلال التوازن الحاصل الذي أحدثه زلزال الجريمة النكراء على الصعيد الوطني والعربي والإسلامي والدولي... ما زالت ارتداداته تتفاعل كل يوم أمنياً وسياسياً واقتصادياً واجتماعياً وعلى الصعد والمستويات كافة، وفي كل المجالات من دون استثناء، فنستجمع حجم المصائب المتلاحقة، ونستذكر مدى أهمية ودور الرئيس الشهيد، ونستكشف الحاجة الملحة إلى وجوده كبدر منير في ظلام حالك أو كماء بارد على أرض عطشى.

أذكر أنني في زيارة الرئيس الشهيد رحمه الله في قريطم، وكان رحمه الله في خضم إنتخابات بيروت النيابية، سألته: « يا دولة الرئيس هل تعرف من هو ضدك ؟ «، فنظر إليّ مصغياً لمعرفة الإجابة، فقلت له: «بكل بساطة الذي لا يقدر أن يكون معك».

نعم يا دولة الرئيس، كل الناس كانت تريد أن تكون معك.

عشر سنوات ونحن نحاول كل يوم لملمة الأضرار اللاحقة بنا كلبنانيين وكعرب وكمسلمين ولا نكاد نحصيها.

بماذا نبدأ وعن ماذا أتكلم ؟

عن دورك السياسي؟ أم الإقتصادي؟ أم الإنمائي؟

أم عن رفيق الحريري اللبناني النموذج؟

أم عن رفيق الحريري العروبي المؤمن؟

أم عن رفيق الحريري المسلم الملتزم؟

أم عن رفيق الحريري الإنسان المعولم؟

أم عن رفيق الحريري دماثة الأخلاق؟

أم عن التميّز والطموح اللامحدود؟

أم عن الحب الذي يفيض منك وزرعته في النفوس، وتحصده اليوم حباً من جميع اللبنانيين وكل عارفيك، حباً يوازي حب الأب والأخ والإبن والصديق والرفيق؟

يا دولة الرئيس،

لبنان الوطن يفتقدك اليوم في كل هذا الظلام المدلهم الذي نخرته الطائفية وأنهكته المذهبية وعشش فيه الفساد وأعياه شلال الدم المهدور بالمجان وأبكاه طابور النعوش المتواصل الذي لا يعرف نهاية ولا كيف يتوقف.

اليوم، وبعد عشر سنوات على الجريمة النكراء، لا نقول لك من يقف ضدك هو الذي لا يقدر أن يكون معك بل نقول بالفم الملآن: ان من يقف ضد المحكمة الدولية الخاصة بلبنان لكشف جريمة العصر

هو الذي لا يقدر أن يكون مع لبنان النموذج والطموح.

وهو الذي لا يقدر أن يكون مع دولة القانون والمؤسسات.

ولا يقدر أن يكون مع العدالة الإجتماعية والإنماء المتوازن.

ولا يقدر أن يكون مع بسط سلطة الدولة على كامل التراب الوطني.

ولا مع تكامل وتزامن بناء البشر والحجر.

ولا مع تعانق المسجد والكنيسة.

ولا يعرف معنى الحوار ولا يدين الآخر.

من يقف ضد هذه المحكمة هو من لا يقدر أن يكون مع الحب ودماثة الأخلاق.

من يقف ضد هذه المحكمة هو الذي لا يعرف لغة العطاء اللامحدود والنادر والفريد من نوعه، العطاء الذي لا يعرف الهوية ولا اللون ولا المنطقة ولا الطائفة ولا المذهب، هويته الإنسان، لونه الأيادي البيضاء، ومنطقته حيث الحاجة، وطائفته لبنان، ومذهبه حب الخير.

إننا في هذه الذكرى الحزينة المؤلمة لنا جميعاً، ورغم مرور عشر سنوات عليها، نشعر وكأن الدم الزكي لم يجف بعد، وقد آن الأوان لأن تكشف المحكمة الدولية الوجه القبيح للمجرمين، ليس حباً بالتشفي أو أخذاً بالثأر، وإنما لوقف مسلسل الإجرام المجنون، وليعرف القتلة أن مرحلة الإفلات من العقاب ولّت إلى غير رجعة.

عشر سنوات والأمل يتجدد بدولة الرئيس الشيخ سعد الحريري لمواصلة المسيرة، ولتحقيق الحلم الذي أيقظتنا منه يد الإجرام والإرهاب، ونقف معه وإلى جانبه ونشد على يديه لبناء «لبنان أولاً» ولحماية النهج التي أضحت فيه «الحريرية» مدرسة في الوطنية الصادقة والعروبة الحقة والانسانية النبيلة، والتي ينشدها الجميع للخروج من هذا النفق المظلم إلى لبنان رفيق الحريري الواعد.