الجمهورية : بدء التحضير للمجلس الجديد... وتطويق شغب في بيروت

كتبت صحيفة "الجمهورية " تقول : أمّا وقد صدرت النتائج الرسمية للانتخابات النيابية، فينتظر ان ‏تخضع بدءاً من اليوم لقراءة سياسية دقيقة، لأنه بناء عليها ‏سيتمّ التأسيس للمرحلة المقبلة. ولكن على إثر صدورها ‏شهدت بعض أحياء بيروت أعمال شغب نشطت الاتصالات ليلاً، ‏لتطويقها في وقت تدخّل الجيش والقوى الامنية وانتشرت في ‏هذه الأحياء‎.‎

بدأت الاوساط الرسمية والسياسية تستعد لموعد تولّي المجلس النيابي ‏المنتخب مسؤولياته الدستورية مع انتهاء ولاية المجلس الحالي في 20 من ‏الجاري، بحيث سيدعى المجلس المنتخب الى أولى جلساته التي ‏سيترأسها نائب رئيس مجلس الوزراء السابق النائب ميشال المر كونه ‏‏"رئيس السن"، بحيث يتمّ في هذه الجلسة انتخاب رئيس المجلس ‏وسيكون الرئيس نبيه بري مجدداً وكذلك انتخاب نائب رئيس المجلس وهيئة ‏مكتبه واللجان النيابية، وذلك استعداداً لتأليف الحكومة الجديدة خلفاً للحكومة ‏الحالية التي ستصبح مستقيلة دستورياً بمجرد انتهاء ولاية المجلس الحالي‎.

عون والحريري
وفي انتظار ذلك، وفي ضوء النتائج التي أفضى اليها الاستحقاق النيابي رأى ‏مراقبون انّ العهد أراد ان تشكّل هذه الانتخابات نوعاً من "تسونامي" شبيه ‏بتسونامي العام 2005، على قاعدة انها اوّل انتخابات تُجرى بعد انتخاب ‏رئيس الجمهورية العماد ميشال عون تحت عنوان "العهد القوي" الذي ‏يُمسك بالرئاسة، في ظل تعاون مفتوح مع الحريري، من خلال وعود وخدمات ‏وتوزير‎.‎


أرادها نوعاً من تسونامي يُعيد من خلاله الامساك بكل التمثيل المسيحي، ‏فيستأثر بالمقاعد الوزارية وبالتعيينات الادارية من دون ان يكون هناك ايّ ‏شريك على اي مستوى من المستويات. وبالتالي، اراد ان تؤدي هذه ‏الانتخابات الى تفويضه شعبياً مسيحياً إدارة مُطلقة بلا شريك ولا رقيب‎.‎


الّا انّ نتائج الانتخابات جاءت مخيّبة للعهد، إذ اظهرت على المستوى ‏المسيحي وجود شراكة سياسية فعلية من "القوات اللبنانية" التي خاضت ‏الانتخابات بتحالفات سياسية منسجمة، فيما خاضها "التيار الوطني الحر" من ‏خلال شخصيات متموّلة ورأسمالية، او من خلال وعود مفتوحة بالتوزير ‏والخدمات لشخصيات سياسية اخرى، ومن خلال اختيار شخصيات "من كل ‏وادي عصا" لا تملك الخطاب نفسه ولا المواقف السياسية نفسها‎.‎


وقد جاءت نتائج الانتخابات لتُظهِر أن لا إمكانية لتفويض "التيار" الواقع ‏المسيحي، بل أفرزت ديموقراطياً شراكة مسيحية تبدو شكلاً على غرار ‏الثنائية الشيعية التي يحكمها تحالف متين. ولكنها في المضمون تكشف ‏وجود تعددية مسيحية، حاول "التيار الوطني الحر" إلغاء بعض شخصياتها. ‏وبالتالي، لن يستطيع العهد تحقيق الهدف الاول الذي حدده، وذلك بسبب ‏وجود أحزاب سياسية بكتل نيابية صغيرة‎.‎


ويقول هؤلاء المراقبون انّ الحريري كان يتمنّى الخروج من هذه الانتخابات ‏بـ"تسونامي" على مستوى الطائفة السنية، يستطيع من خلاله، بالشراكة ‏والتكامل والتكافل مع رئيس الجمهورية، من أن يضعا يديهما على السلطة ‏بكل مفاصلها، وهذا ما يبرّر ويفسّر موقف رئيس الجمهورية من أنه في حال ‏كانت هناك أي عراقيل في تأليف الحكومة سيذهب الى تأليف حكومة أكثرية، ‏ومن أراد ان يعارض فليعارض‎.‎


فجاءت نتائج الانتخابات لتشكّل نكسة سياسية للحريري ورئيس "التيار ‏الوطني الحر" الوزير جبران باسيل، وهذه النكسة ستلزمهما بالانفتاح على ‏قوى سياسية أخرى. فلا الحريري قادر على التفرّد بالقرار على المستوى ‏السنّي، ولا باسيل قادر على التفرّد بالقرار على المستوى المسيحي، فيما ‏كل القوى السياسية الاخرى ممتعضة ومشمئزّة من هذا السلوك ومن ثنائية ‏غير منفتحة على الآخرين، بل مقفلة في اتجاه استئثاري على مستوى ‏السلطة‎.‎


وفي رأي مصادر مسيحية، فإنّ الثنائية المسيحية التي أفرزتها الانتخابات لن ‏تؤدي الى إجهاض اتفاق معراب، إذ انّ المصالحة المسيحية من الثوابت ‏الوطنية. إنما في المرحلة المقبلة، فإنّ قواعد المنافسة المسيحية ستكون ‏مفتوحة اكثر، حيث انّ "القوات اللبنانية"، وخلافاً للثنائية الشيعية، ستكون ‏منفتحة اكثر على شخصيات مستقلة من اجل مزيد من تعزيز الوضعية ‏السياسية لمفهوم طريقة إدارة الدولة في لبنان‎.‎


امّا على المستوى الشيعي، فإنّ الثنائية الشيعية تمكّنت من حصد الغالبية ‏الشيعية الساحقة بنحو واضح وحاسم. (بالاضافة الى نحو 5 مقاعد سنية ‏وكتلة مسيحية). لكنّ حجم الكتلة الشيعية ظل ما دون الثلث زائداً واحداً، فلا ‏قدرة لأيّ طرف على التعطيل ولا على أي امر آخر، فضلاً عن انّ منطق ‏‏"الثلث زائداً واحداً او النصف زائداً واحداً لم يعد قائماً لأن القوى السياسية، ‏وعلى غرار ما قاله الحريري امس، "جَرّبت هذا المنطق وبرهن لها انّ ‏استخدامه غير ممكن في بلد توافقي مثل لبنان". لكنّ "حزب الله" نجح في ‏توجيه رسالة الى الجميع مفادها انه على رغم القانون الانتخابي النسبي ‏فقد استطاع وحركة "أمل" إقفال الساحة الشيعية مع تعزيز وضعيتهما داخل ‏البيئة السنية والمسيحية‎.‎


في المقابل، نجحت "القوات" في تعزيز حصتها النيابية، فيما نجح النائب وليد ‏جنبلاط في الحفاظ على أحاديته داخل البيئة الدرزية. كذلك، فإنّ التعددية ‏السنية التي أفرزتها الانتخابات هي تعددية لافتة، ويمكن لهذه القوى السنية ‏إذا اجتمعت مع بعضها البعض، ان تشكّل يوماً مع قوى سياسية وطنية، ‏رسالة الى الحريري بأنّ الامور مفتوحة على شتى الاحتمالات. وبالتالي، ‏باتت هناك خيارات اخرى على مستوى رئاسة الحكومة غير موجودة على ‏مستوى رئاسة مجلس النواب. إذ لا يمكن الاستهانة بأنّ تعاون نحو 7 نواب ‏سنة او اكثر مع قوى سياسية اخرى، من شأنه أن يُفسح في المجال امام ‏خيارات أخرى‎.‎


إذاً، الانتخابات فرضت توازنا جديدا ومعطى جديداً، ولم يستطع العهد تحقيق ‏ما اراده، اي ان يُمنح تفويضاً شعبياً استثنائياً ما شكّل صفعة اساسية له. ‏وبالتالي، بات عليه ان يراجع خياراته ومواقفه، وان يراجع ايضاً سياسة تلزيم ‏القرار السياسي لباسيل‎.

شغب في بيروت
غداة إعلان النتائج الرسمية للانتخابات، شهدت بيروت بعض الشغب إذ أقدم ‏مسلّحون على دراجات نارية على رفع أعلام حزبية على تمثال الرئيس ‏الشهيد رفيق الحريري في منطقة السان جورج، ثم انتقلوا إلى منطقة ‏عائشة بكار حيث اعتدوا على عدد من الآليّات، وأطلقوا النار من دون وقوع ‏إصابات. فسَيّر الجيش اللبناني على الفور دوريات، واقام حواجز في مختلف ‏شوارع بيروت، للحفاظ على الأمن‎.‎


واتصل رئيس مجلس الوزراء سعد الحريري بقائد الجيش العماد جوزف عون ‏والمدير العام لقوى الأمن الداخلي اللواء عماد عثمان، طالباً منهما "معالجة ‏الفلتان في بيروت واتخاذ التدابير اللازمة بأقصى سرعة ممكنة‎".‎


وبدوره، استنكر بري "الممارسات المسيئة التي قامت بها بعض المواكب ‏السيّارة التي جابَت شوارع العاصمة بيروت، وطاولت رموزاً ومقرّات ومقامات ‏نحترم ونجلّ". وأضاف: "إنّ كرامة العاصمة بيروت وكرامة أبنائها وعائلاتها ‏الكريمة وقياداتها هي من كرامتنا، وأيّ مساس بها هو مساس بكرامتنا ‏وكرامة كل اللبنانيين‎".‎

 

Top
We use cookies to improve our website. By continuing to use this website, you are giving consent to cookies being used. More details…